أبي حيان الأندلسي
197
البحر المحيط في التفسير
قال : أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ « 1 » ، لأن في إنذارهم ، وهم عشيرته ، عدم محاباة ولطف بهم ، وأنهم والناس في ذلك شرع واحد في التخويف والإنذار . فإذا كانت القرابة قد خوفوا وأنذروا مع ما يلحق الإنسان في حقهم من الرأفة ، كان غيرهم في ذلك أوكد وأدخل ، أو لأن البداءة تكون بمن يليه ثم من بعده ، كما قال : قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ « 2 » . وقال عليه الصلاة والسلام حين دخل مكة : « كل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدميّ هاتين ، فأول ما أضعه ربا العباس ، إذ العشيرة مظنة الطواعية ، ويمكنه من الغلظة عليهم ما لا يمكنه مع غيرهم ، وهم له أشد احتمالا » . وامتثل صلّى اللّه عليه وسلّم ما أمره به ربه من إنذار عشيرته ، فنادى الأقرب فالأقرب فخذا . وروي عنه في ذلك أحاديث . وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ : تقدم الكلام على هذه الجمل في آخر الحجر ، وهو كناية عن التواضع . وقال بعض الشعراء : وأنت الشهير بخفض الجناح * فلا تك في رفعه أجدلا نهاه عن التكبر بعد التواضع . والأجدل : الصقر ، ومن المؤمنين عام في عشيرته وغيرهم . ولما كان الإنذار يترتب عليه إما الطاعة وإما العصيان ، جاء التقسيم عليهما ، فكان المعنى : أن من اتبعك مؤمنا ، فتواضع له ؛ فلذلك جاء قسيمه : فَإِنْ عَصَوْكَ فتبرأ منهم ومن أعمالهم . وفي هذا موادعة نسختها آية السيف . والظاهر عود الضمير المرفوع في عصوك ، على أن من أمر بإنذارهم ، وهم العشيرة ، والذي برئ منه هو عبادتهم الأصنام واتخاذهم إلها آخر . وقيل : الضمير يعود على من اتبعه من المؤمنين ، أي فإن عصوك يا محمد في الأحكام وفروع الإسلام ، بعد تصديقك والإيمان بك ، فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ، لا منكم ، أي أظهر عدم رضاك بعملهم وإنكارك عليهم . ولو أمره بالبراءة منهم ، ما بقي بعد هذا شفيعا للعصاة ، ثم أمره تعالى بالتوكل . وقرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر ، وشيبة : فتوكل بالفاء ، وباقي السبعة : بالواو . وناسب الوصف بالعزيز ، وهو الذي لا يغالب ، وبالرحيم ، وهو الذي يرحمك . وهاتان الصفتان هما اللتان جاءتا في أواخر قصص هذه السورة . فالتوكل على من هو بهذين الوصفين كافية شر من بعضه من هؤلاء وغيرهم ، فهو يقهر أعداءك بعزته ، وينصرك عليهم برحمته . والتوكل هو تفويض الأمر إلى من يملك الأمر ويقدر عليه . ثم وصف بأنه الذي أنت منه بمرأى ، وذلك من رحمته بك أن أهلك لعبادته ،
--> ( 1 ) سورة يونس : 10 / 2 . ( 2 ) سورة التوبة : 9 / 123 .